الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

320

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وجهه المحقق المحشي رحمه الله بأن المراد بالمنع هنا غير المنع المصطلح بل المنع اللغوي فالمقصود إبطال ما ذكره من كون العدم غير مقدور نظرا إلى ما أقام عليه الدليل فيكون ذلك معارضة للدليل المذكور ويكون قوله فإن قيل معارضة على المعارضة وقد صرح بعضهم بجوازه نعم وقعت المعارضة الثانية بعين ما ذكر في الدليل ولا يخفى قبح إعادته قلت يمكن حمل المنع في كلامه على المنع المصطلح والوجه فيه أنه لما كانت المقدمة المذكورة مستدلا عليها في كلامه توقف ورود المنع عليها على إبطال دليلها فجعل ما يبطل به الدليل المذكور على وجه المعارضة سندا للمنع فيكون ذلك السند في المقام مصححا لورود المنع إذ بعد إبطال ما أقامه من الدليل عليها يبقى المقدمة المذكورة خالية عن الدليل فيصح توجيه المنع إليها فلما كانت قضية المعارضة المذكورة لما ذكر من الدليل على إيجاب تلك المقدمة ثبوت تأثير القدرة في كل من الوجود والعدم حيث ذكر أن تأثير صفة القدرة في الوجود فقط وجوب لا قدرة أورد عليه بأنه لا بد للقدرة من أثر عقلا ضرورة كون التأثير مستلزما للأثر والعدم غير صالح لذلك لكونه نفيا محضا ولأنه لا بد من استناد الأثر إلى المؤثر وهو غير ممكن في المقام حسب ما قرره فالملحوظ في المقام نفي كون العدم أثر للقدرة ليلزم من ذلك نفي تأثير القدرة فيه ليتفرع عليه نفي كونه مقدورا إذ المقدورية يستدعي تأثير القدرة فيه حسب ما اعترف المستدل به والوجه الأول من هذين الوجهين غير مذكور في كلام المستدل والثاني وإن كان غير ما ذكره المستدل إلا أنه إنما ذكر في المقام لدفع كون العدم أثرا للقدرة ليتفرع عليه عدم مقدوريته والمستدل إنما أخذ ذلك حجة على عدم المقدورية من أول الأمر وهذا القدر كاف في التفاوت مضافا إلى اشتمال ما ذكره ثانيا على بيان جواب آخر عن أصل الاستدلال فلا يخلو إعادته عن فائدة فتحصل مما ذكر جوابان عن الاستدلال أحدهما المنع من عدم مقدورية العدم حسبما قررناه والآخر إثبات مقدوريته في الزمان المتأخر عن الصيغة وإن جعلهما جوابا واحدا أو جعل الجواب الثاني دفعا لما يورد على الجواب الأول فتأمل قوله باعتبار استمراره إلى آخره هذا الوجه جواب عن الإيراد الآخر وكأنه لم يتعرض للجواب عن الأول اكتفاء بما ذكر في الجواب عنه فإن لاستمرار العدم حظا من الوجود ولذا يستند في ملاحظة العقل إلى اختيار المكلف ويترتب ذلك عليه فلا يكون أثر القدرة نفيا محضا حسب ما ادعاه المستدل لكنك خبير بأن عدم الفعل نفي محض بحسب الخارج لا تأثير ولا تأثر فيه أصلا وليس استمرار العدم أمرا حاصلا بحسب الواقع وإنما هو اعتبار عقلي محض ثبوته في العقل كمفهوم العدم فتأثير صفة القدرة فيه بحسب الخارج غير معقول والحق أن يقال إن مقدورية الفعل إنما يكون باقتدار الفاعل على قطع استمرار العدم بالتأثير في الوجود لا بتأثيره في العدم أيضا وإن صح بذلك حكم العقل باستناد عدم المعلول إلى عدم علته فإن مناط الحكم بالاستناد المذكور هو عدم حصول الأمر عند عدم حصول التأثير لا بتأثير الفاعل في عدمه فالمراد باستناد عدم المعلول إلى عدم علته والترتب العقلي الحاصل بينهما في لحاظ العقل هو ذلك لا بتأثير العدم في العدم كيف وحصول التأثير والتأثر غير معقول من الأعدام فليس تأثير القدرة في المقام إلا في جهة الوجود ويكون العدم مقدورا بذلك أيضا وحينئذ فما ادعاه المجيب من لزوم تأثير القدرة في كل من جانبي الوجود والعدم وإلا كان وجوبا لا قدرة كما ترى ويمكن تنزيل كلامه على ما ذكرنا فيكون مقصوده بالتأثير في العدم هو مفاد الترتب العقلي المذكور وهو لا ينافي كون عدم الفعل نفيا محضا بحسب الخارج [ أصل في دلالة النهي على التكرار ] قوله إن النهي كالأمر في عدم الدلالة على التكرار إلى آخره يمكن تقرير النزاع في ذلك على نحو الأمر فيكون الكلام في وضع الصيغة له فالقائل بدلالتها على الدوام يقول بوضعها لخصوص ذلك والقائل بكونها للأعم يجعل مفادها مجرد ترك الطبيعة في الجملة ويمكن تقريره في الدلالة الالتزامية فيقال إن النهي موضوع لطلب ترك الطبيعة لكن هل يستلزم ذلك الدوام والتكرار أو لا بل هو أعم من الأمرين وعلى هذا فيجري الكلام في كل طلب معلق بالترك وإن كان بصيغة الأمر كاترك وانته وكف ونحوها وكذا في مادة النهي كأنهاك عن كذا أو نهانا عن كذا ونحو ذلك يخرج عنه ما يكون أمرا بصورة النهي نحو لا تترك ويمكن تقرير النزاع في الأعم من الوجهين المذكورين فيصح للقائل بدلالتها على الدوام والاستناد إلى كل من الوجهين المذكورين فلا بد للنافي من إبطال كل منهما والظاهر البناء في تحرير محل النزاع على أحد الوجهين الأخيرين ثم إن المقصود بالتكرار هنا هو خصوص الدوام لا مسمى التكرار كما مر احتماله في الأمر وإن كان الظاهر هناك أيضا خلافه ولذا عبروا هاهنا عن التكرار بالدوام ثم إن المقصود بالدوام هل هو خصوص التأبيد أو الدوام مدة العمر أو يرجع فيه إلى العرف فيختلف بحسب اختلاف الأفعال والأحوال وجوه أظهرها الأخير وهل المطلوب خصوص الترك المستدام فيتوقف حصول الامتثال على ترك الكل من غير أن يحصل هناك امتثال بالنسبة إلى خصوص التروك الحاصلة في كل من الأزمنة أو أن كل ترك منها مطلقا في نفسه مع قطع النظر عن انضمام الآخر إليه فينحل ذلك إلى تكاليف عديدة وإن عبر عن الكل بتعبير واحد وجهان أظهرهما الثاني كما شهد به العرف وهل الكلام في وضع الصيغة المطلقة للدوام أو لما يستلزمه فلا تجري في النواهي المقيدة بزمان أو في وضع مطلق الصيغة فيلزم التجوز في بادي الرأي فيما يفيد بخصوص بعض الأزمنة بناء على القول بوضعه لذلك وعلى هذا يلزم من التزام التجوز في معظم النواهي الواردة وسنبين لك ما هو الحق في المقام هذا ولهم في المسألة قولان معروفان أشار المصنف رحمه الله إليهما أحدهما اقتضاؤه للدوام ذهب إليه الآمدي والحاجبي والعضدي واختاره جماعة من علمائنا منهم المصنف رحمه الله والعلامة في النهاية والسيد العميدي وشيخنا البهائي وتلميذه الفاضل الجواد وغيرهم وعزاه في النهاية والمنية والزبدة إلى الأكثر وحكاه الشيخ عن أكثر المتكلمين والفقهاء لمن قال بأن الأمر يفيد المرة ومن قال بأنه يفيد التكرار وقال الآمدي في الأحكام اتفق العلماء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما وقال العضدي النهي يقتضي دوام ترك النهي عنه عند المحققين اقتضاء ظاهرا فيحمل عليه إلا إذا صرف عنه دليل ثانيهما نفي دلالتها على ذلك ذهب إليه جماعة من علمائنا منهم السيد والشيخ والمحقق والعلامة في التهذيب وعزاه الآمدي إلى بعض الشاذين والعضدي